ابن الجوزي
336
كشف المشكل من حديث الصحيحين
والثاني : أن المعنى : لن تعدو قدر الله فيك . فإن قيل : فما السر في أنه أضمر له الدخان ؟ فجوابه من وجهين : أحدهما : أن يكون أضمر ما خطر له كما اتفق . والثاني : أن يكون اعتمد ذلك ، لأن الدخان يستر عن الناظر عين الشمس ، وكذلك باطل الدجال ثم هو ضرر لا نفع فيه . فإن قيل : كيف ترك الرسول رجلا يدعي النبوة كاذبا ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذه القصة جرت له معه أيام مهادنة اليهود وحلفائهم ، وذلك أنه لما قدم المدينة كتب بينه وبين اليهود كتابا صالحهم فيه ، على أن لا يهاجوا ، وكان ابن صياد في جملة القوم ، فلما بلغ رسول الله ما يدعيه من علم الغيب امتحنه فرآه مبطلا ، وعلم أنه لا يعدو الكهانة والسحر . والثاني : أنه حين جرت له معه هذه القصة كان صبيا غير بالغ ، ولا حكم لقول الصبي . 279 / 333 - وفي الحديث الرابع والعشرين : « ولكن الله أعانني عليه فأسلم » ( 1 ) . جمهور الرواة يقولون : فأسلم بفتح الميم ، يريدون : الشيطان أسلم ، وكان سفيان بن عيينة يقول : فأسلم بضمها ، والمعنى : فأسلم من شره . وكان يقول : الشيطان لا يسلم ( 2 ) . وقول ابن عيينة حسن يظهر أثر المجاهدة بمخالفة الشيطان ، غير أن قوله : « فلا يأمرني إلا بخير » دليل على إسلام الشيطان ، لأن الذي نفر منه ابن عيينة وقال :
--> ( 1 ) مسلم ( 2814 ) . ( 2 ) ينظر النووي ( 17 / 163 ) ، والقرطبي ( 7 / 68 ) .